أحمد بن سهل البلخي

547

مصالح الأبدان والأنفس

وأمّا هذا العرض الذي نحن في ذكره - يعني أحاديث النفس ووساوسها - فإنّه عرض ليس بمعروف السبب ، وليس بالحقيقة علّة توجبه ، وإنّما هو شيء يقع في طباع بعض الناس من قبل مولده كما ذكرنا ، فيوجد فيه دلالة على أنّ صاحبه يكون متأذّيا بفكر رديئة لا يكون لها حقيقة ، فتسمّى هذه العلّة : حديث النفس ؛ وذلك لأنّ نفسه لا تزال تحدّثه بالأشياء التي هي وساوس القلب . 2 / 8 / 4 : وتلك الأحاديث والوساوس ربّما وقعت في جنس ما يحبّ ويتمنّى ، وربّما وقعت في جنس ما يخاف ويخشى . فالواقع منها في جنس ما يحبّ ويتمنّى هو عشق الإنسان لشيء يهواه ، فيعلّق قلبه به ، ويصرّف « 1 » فكره في كلّ الأوقات إليه ، ويخطره / بباله كلّ حين ، ويجعله نصب وهمه دائبا ، فيمنعه ذلك عن التفكير فيما سواه ، ويشغله عن أكثر أعماله ، وعن قضاء أوطاره من لذّاته وشهواته . والواقع منها في جنس ما يخاف ويخشى هو مثل تحديث نفس الإنسان إيّاه بأمر مخوف لعلّه يحلّ به عن قريب ؛ وأشدّ ذلك تحديثها إيّاه بمكروه عساه ينزل « 2 » به في أمر بدنه وحياته ، فإنّ هذا هو أصعب المخاوف ، وأشدّها تمكّنا من القلب ، واستيلاء « 3 » عليه . وذلك أنّه ليس شيء أعزّ على الإنسان من نفسه وحياته ، فإذا خاف عليها كان ذلك الخوف أشغل شيء لقلبه ، وأغلبه على فكره . ولذلك صار هذا النوع من أحاديث النفس أصعب من النوع الآخر الذي ذكرنا وقوعه في نوع ما يتمنّى ويحبّ ؛ لأنّ في تمنّي المحبوب حظّا موفورا من

--> ( 1 ) في ب : ويصرف . ( 2 ) في ب : يترك . والصواب من أ . ( 3 ) في أ : واستيلائها . والصواب من ب .